عبد الوهاب الشعراني

157

تنبيه المغترين

وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى إذا تناول ولده تفاحة من الفيء ينزعها من فيه بشدة ويقول أنتزعها خوفا من اللّه تعالى وكأنني أنتزعها من قلبي ، وقد بلغنا عن الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه أنه ذهب إلى غريم له ليطالبه بدين وكان للرجل شجرة على باب داره فوقف الإمام في الشمس وطالبه ، فقيل له ألا تقف في ظل الشجرة ، فقال : لا إن لي على صاحبها دينا وكل قرض جر نفعا فهو ربا كما ورد ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان المغيرة بن شعبة رحمه اللّه تعالى إذا اشترى شيئا من طوافي الأسواق يعدل به عن الشارع ويشتري منه خوفا أن يحجز المشي عن المارة . وقد استعار القاضي بكار بن قتيبة رحمه اللّه تعالى من والدته رداء ليخبز فيه خبزه فكلمه شخص من أصحابه في الطريق فلم يقف له ، فقال له ألا تكلمني ؟ فقال : يا أخي إنما استعرت هذا الرداء لأخبز فيه لا لأقف مع أحد في الطريق ، ولو علمت أنك تكلمني لكنت استأذنتها في ذلك ، وكان بكر بن عبد اللّه المزني رحمه اللّه تعالى يجعل ميزاب سطحه إلى جهة داره دون الشارع خوفا أن يشوش على أحد ، وقد ماتت عنده هرة فحفر لها ودفنها في داره ولم يرمها في المزابل خوفا أن يشوش ريحها على الناس ، وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : إياكم أن تسافروا إلى مكة بشيء من الشبهات فإن رد دانق من حرام أو شبهة أفضل عند اللّه تعالى من خمسمائة حجة فيها شبهة ، وقد ترك يزيد بن دريج مال والده رحمهما اللّه لما مات وكان مالا جزيلا وقال : كنت أشك في حل كسبه لكونه كان يبيع على الولاة . وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى لا يأكل من كسب غلامه إذا باع شيئا وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم عند بيعه ، فكان يقول إنك أطريت عليه بالصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومدحته بها حتى اشتراه الناس فإياك أن تفعل ذلك أو تقول للمشتري هذا رخيص أو مليح مثلا بل بعه وأنت ساكت ، وقد دخل الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى السوق ليشتري لأولاده خبزا فرأى الخباز يسبح اللّه ويهلله ويصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم عند بيعه الخبز فأبى الفضيل أن يشتري منه وطوى هو وأولاده حتى لقي من الغد شخصا يبيع الخبز وهو ساكت فاشترى منه فقيل له : إن هذا أمر سهل يا أبا علي فقال : إن سهلكم هذا أخاف أن يوردني النار . وكان يونس بن عبيد رحمه اللّه تعالى يبيع البرد والأكسية فإذا كان يوم غيم لا يبيع ولا يخرج بها إلى السوق فسئل عن ذلك فقال : إن المشتري ربما يراه حسنا في الغيم وهو